ابن قيم الجوزية

67

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

فإن ما كان لله أكمل مما كان بالله فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة والغايات أشرف من الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرراً وتقرباً إلى الله لأنه نذر له ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج اليمين لأنه حلف به فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الإلهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فان عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الإلهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته . وقالت طائفة : الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به كما قال تعالى : ( واصبر ) فأمره بالصبر والمأمور به هو الذي يفعل لأجله ثم قال : ( وما صبرك إلا بالله ) فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدمتها أخبر فيها أنه لا يمكنه الصبر إلا به وذلك يتضمن أمرين : الاستعانة به والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة كقوله : ( فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ) وليس المراد بهذه ( الباء ) الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصي فإن مالا يكون بالله لا يكون بل هي ( باء ) المصاحبة والمعية التي صرح بمضمونها في قوله : ( إن الله مع الصابرين ) ( البقرة : 153 ) وهي المعية الحاصلة لعبده الذي تقرب إليه بالنوافل حتى صار محبوباً له فبه يسمع وبه يبصر وكذلك به يصير فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر آلهي يعني : وما يتحمل المتحملون من أجلي فدل قوله : ( وما صبرك إلا بالله ) على أنه من لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمري امتثالاً وتنفيذاً وعلى الحكم القدري احتمالاً له واضطلاعاً به من لم يكن الله معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا يطمع في درجة التقريب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه